أكيد أن الصور مؤذية للمشاعر، لكن
لا بأس، فلتكن وقفة، ومجرد لحظة نفكر فيها بغيرنا، ونتذكر بأنه
في حين يذهب أطفالنا المدارس ويعودون مساءا للنوم في أحضان أبائهم ، يلبسون، يشربون، يحلمون
ويلعبون في أمان، هناك أيضا في مكان ما أطفال أ قل منهم حظا بكثير، يتعلمون كيف يمسكون بالبندقية
بدل القلم، لان أوطانهم يزرع فيها
الرصاص بدل القمح.أطفال يحملون الفؤوس على أكتافهم بدل المحافظ،
يرضعون الدم بدل الحليب، يموتون،
يتشردون، يجوعون، يغتصبون ويرمى بهم في العراء.
كان لي الحظ أن أدرس في
الكتاب، على عكس الأصدقاء والزملاء من هم في سني الذين درسوا
في رياض الأطفال، هذا لأنه في حينا كان لدينا الفقيه "علال"، رجل في أوائل الأربعينات ،أبيض
البشرة، يحمر وجهه كحبة الطماطم
وتنتفخ عروق عنقه إن قرأ القران بصوت عال، كان فقيهنا خفيف
الحركة، يلبس طاقية بيضاء وجلابيب
مفصلة بأثواب خفيفة، نفس الجلابيب يلبسها صيفا وشتاءا.
في الكتاب كنا نجلس نحن الأصغر
سنا على مقاعد طويلة من خشب، والأكبر سنا في الوراء على
حصير خشن، يدرسنا فقيهنا اللغة
العربية والقران، وكجميع فقهاء الكتاتيب كانت لديه عصا طويلة
لا يتردد أن يضرب بها رؤوسنا
وسيقاننا.
نحفظ القران في الألواح ثم نقرأه
عليه، كل منا على حدى، يسمح لمن أحسن الحفظ أن يخرج ليمسح
اللوح بالماء والصلصال، نعرضها على الحائط تحت الشمس وننتظرها حتى تجف لنعود بها إلى فقيهنا،
يكتب عليها الآيات بقلم الرصاص
لنعيد نحن خطها بقلم القصب والحبر البني.
لم يكن فضاء الفقيه"علال" مجرد
فضاء للتعلم والتمدرس، بل كان أيضا فضاءا نتبادل فيه خيالاتنا،
قصصنا، وأكاذ
يبنا أحيانا، نتقاسم كل شيء حتى ما نحظره من بيوتنا من مأكولات وحلويات، في الاستراحة
كان يسمح لنا أن نلعب في الخارج،
إن تأخرنا جاء يبحث عنا جريا ممسكا بيده اليسرى أطراف جلبابه،
وباليمنى عصاه
الطويلة.
في المساء نعود إلى بيوتنا
متعبين، يرهقنا الخيال وتتعبنا الضحكات، ننام ملئ جفوننا...ننام ولا يزال صوت
الفقيه "علال" في
ا ذاننا يرتل القران... والأحلام ترتيلا.
ليلا في مكان ما بين جبال الريف، والداها يمسكان بيديها الصغيرتين، تسرع الخطى علها
تجاري
خطوات أبيها الواسعة، بعينين جميلتين مندهشتين نظرت إلى السماء وقالت "مين يعنا وا؟"،
جملة بالريفية تعني (ما هذا؟ ) ، يجيبها والدها׃ إنها
السماء... هكذا تكون السماء ليلا، سوداء مزينة
يهذا الكم الهائل من النجوم، تندهش وتعشق الليل فجأة ، لم تكن قد بلغت سن الرابعة بعد،
باكرا كانت تنام، باكرا كان يغلق عليها الباب في ركنها الدافئ، لم تكن قد رأت منظر السماء ليلا من قبل.
تنتقل ذات العينين الجميلتين مع عائلتها إلى المدينة، هناك تكبر ويكبر قلبها ليسع حب الكل،
لا
ترفض ذلك الرجل الأرمل، ذو الأربعة أطفال الذي يطلب يدها وهي في العشرين من عمرها
تربي أطفال زوجها الأربعة، تنجب أربعة آخرين، وتحتضن الكل في كنف واحد في قلب واحد،
وتعلمهم كيف يصنعون سفنا من الحب، سفنا من الصبر، وسفنا من الأمل، تعلمهم كيف
يزرعون الشتائل في قلوبهم، كيف يسقونها، وكيف ينظرون إليها.
ذات العينين الجميلتين هي أمي، عندما يتجاوز شوقي لها حدود الكلمات أتمنى لو أن المسافات
تنطوي لتحملني إليها، وأصل فجرا كما العادة والناس نيام، وتفتح الباب كما العادة قبل أن اطرقه،
تأخذ ني في حضنها ثم تمسك وجهي بيديها وتنظر الي، فأرى نفس الكروم، نفس الحقول تطل
من
عينيها، وأستمد منهما شيء يشبه اطمئنان العارفين، وشغف المريدين.
عندما تختلط علي الأمور فجأة، ويتعذر علي أحيانا فهم واستيعاب ما يحدث من حولي
من تصرفات غامضة ، ردود
أفعال غريبة، وتناقضات عجيبة، أشتاق لزمن كانت فيه
الأمور بسيطة...كانت
شفافة كالماء، ورقيقة كالطيف. وأنا صغيرة كنت أدرك الأمور في شكلها
اللامتناهي البساطة، لغبائي ربما أو لفرط خيالي كنت أعتقد أن السماء تمطر لان الله والملائكة
ينظفون السماء، وأن
النساء يلدن أطفالهن من أفواههن، وأننا عندما نموت يسترجع الله أرواحنا
في قفة مربوطة إلى حبل تحملنا إلى السماء السابعة، وأننا عندما نضع الرسائل في صندوق البريد
تنزلق في ممر ضيق طويل
حتى تصل إلى المرسل إليه...حين أذكر هذاأبتسم ، وأحن إلى زمن
كانت فيه الشمس أجمل،
والكلمات أصدق، والأحلام أكبر !